أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

342

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرأ أبو حيوة : « من الرّضاعة » بكسر الراء . « مِنْ نِسائِكُمُ » فيه وجهان : أحدهما : أنه حال من « رَبائِبُكُمُ » تقدير : « وربائبكم كائنات من نسائكم » . والثاني : أنه حال من الضمير المستكنّ في قوله : « فِي حُجُورِكُمْ » أنه لمّا وقع صلة تحمّل ضميرا ، أي : اللاتي استقررن في حجوركم . والربائب : جمع « ربيبة » وهي بنت الزوج أو الزوجة ، والمذكر : ربيب ، سمّيا بذلك ؛ لأن أحد الزوجين يربّه كما يربّ ابنه . وقوله : « اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ » لا مفهوم له لخروجه مخرج الغالب . والحجور : جمع « حجر » بفتح الحاء وكسرها ، وهو مقدّم ، ثوب الإنسان ثم استعملت اللفظة في الحفظ والستر . قوله : اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ صفة ل « نِسائِكُمْ » المجرور ب « من » ، اشترط في تحريم الربيبة أن يدخل بأمها . ولا جائز أن تكون صفة ل « نِسائِكُمْ » الأولى والثانية لوجهين : أحدهما : من جهة الصناعة ، وهو أن « نِسائِكُمْ » الأولى مجرورة بالإضافة والثانية مجرورة ب « من » فقد اختلف العاملان ، وإذا اختلفا امتنع النعت ، لا تقول : « رأيت زيدا ومررت بعمرو العاقلين » على أن يكون « العاقلين » نعتا لهما . والثاني من جهة المعنى : وهو أن المرأة تحرم بمجرد العقد على البنت دخل بها أو لم يدخل بها عند الجمهور ، والربيبة لا تحرم إلا بالدخول على أمها . وفي كلام الزمخشري ما يلزم منه أنه يجوز أن يكون هذا الوصف راجعا إلى الأولى في المعنى فإنه قال : « مِنْ نِسائِكُمُ » متعلق ب « رَبائِبُكُمُ » ومعناه : أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرّمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها . فإن قلت : هل يصحّ أن يتعلق بقوله : « وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ » ؟ قلت : لا يخلو : إمّا أن يتعلّق بهن وبالربائب فتكون حرمتهن وحرمة الربائب غير مبهمتين جميعا ، وإمّا أن يتعلّق بهن دون الربائب ، فتكون حرمتهن غير مبهمة وحرمة الربائب مبهمة ، ولا يجوز الأول لأن معنى « من » مع أحد المتعلقين خلاف معناها مع الآخر ، ألا تراك إذا قلت : « وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن » فقد جعلت « من » لبيان النساء وتمييزا للمدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ ، وإذا قلت : وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن » فإنك جاعل « من » لابتداء الغاية كما تقول : « بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من خديجة » ، وليس بصحيح أن يعني بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيين مختلفين ، ولا يجوز الثاني لأن الذي يليه هو الذي يستوجب التعليق به ما لم يعرض أمر لا يردّ ، إلا أن تقول : أعلّقه بالنساء والربائب ، وأجعل « من » للاتصال كقوله تعالى : « الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ » « 1 » ، وقال : 1571 - فإنّي لست منك ولست منّي « 2 » * . . . وقوله : 1572 - ما أنا من دود ولا دود مني « 3 »

--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية ( 67 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت من شواهد الكشاف ( 1 / 516 ) .